ابن الجوزي
250
صيد الخاطر
وهذه المستقبحات فضلا عن القبائح تشبه العناد للآمر . فليستحق صاحبها اللعن ودوام العقوبة . واني لأرى شرب الخمر من ذلك الجنس ، لأنها ليست مشتهاة لذاتها ولا لريحها ولا لطعمها فيما يذكر ، انما لذتها فيما يقال بعد تجرع مرارتها ، فالاقدام على ما لا يدعو اليه الطبع إلى أن يصل التناول إلى اللذة معاندة . نسأل اللّه عز وجل ايمانا يحجز بيننا وبين مخالفته . وتوفيقا لما يرضيه . فإنما نحن به وله . 202 - من ظن أنه خير من غيره فقد تكبر اعتبرت على أكثر العلماء والزهاد « 1 » أنهم يبطنون الكبر فهذا ينظر في موضعه وارتفاع غيره عليه ، وهذا لا يعود مريضا فقيرا يرى نفسه خيرا منه . حتى أني رأيت جماعة يومأ إليهم ، منهم من يقول لا أدفن الا في دكة أحمد بن حنبل ، ويعلم أن في ذلك كسر عظام الموتى ، ثم يرى نفسه أهلا لذلك التصدر . ومنهم من يقول : ادفنوني إلى جانب مسجدي ظنا منه أنه يصير بعد موته مزورا كمعروف الكرخي . وهذه خلة مهلكة ولا يعلمون . قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : من ظن أنه خير من غيره فقد تكبر . وقلّ من رأيت الا وهو يرى نفسه « 2 » . والعجب كل العجب ممن يرى نفسه ، أتراه بما ذا رآها ؟ ان كان بالعلم فقد سبقه العلماء ، وان كان بالتعبد فقد سبقه العبّاد ، أو بالمال فان المال لا يوجب بنفسه فضيلة دينية . فان قال : قد عرفت ما لم يعرف غيري من العلم في زمني ، فما عليّ ممن تقدم . قيل له : ما نأمرك يا حافظ القرآن أن ترى نفسك في الحفظ كمن يحفظ النصف ، ولا يا فقيه أن ترى نفسك في العلم كالعامي ، انما نحذر عليك أن ترى نفسك خيرا من ذلك الشخص المؤمن وان قلّ علمه ، فان الخيرية بالمعاني لا بصورة العلم والعبادة . ومن تلمح خصال نفسه وذنوبها علم أنه على يقين من الذنوب والتقصير ،
--> ( 1 ) قوله ( اعتبر عليه ) لا تعرفه العربية الا بتأويل . ( 2 ) لا يزال هذا التعبير مستعملا بمعنى ( تكبر ) عند عوام الشام .